وسط موجة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت غرب إفريقيا والتراجع المطرد في نفوذ فرنسا المستعمر القديم الذي هيمنة على مصادر الاقتصاد في الاقارة على مدى أكثر من نصف قرن .. يسعى الكريمين لمنلء الفراغ والتمدد الخشن في القارة التي ما تزال تبحث عن أدنى أساسيات الحياة لأبنائها .
أحد صور التمدد الروسي الخشن في القارة عبر ليبيا بدعم القيادة العامة في شرق البلاد وصول 4 طائرات شحن عسكرية من بنغازي إلى مالي، يرجح أحد الخبراء أنها موجهة بالأساس إلى النيجر.
ويقول الخبير الأمني الموريتاني المتخصص في الشئون الأفريقية سلطان ألبان إن موسكو تسعى إلى زيادة دائرة نفوذها في أفريقيا عموماً، وتعزيز الحضور في البلدين عبر مد الجسور بين ليبيا ومالي، فالأولى تشكل نقطة ارتكاز روسيا لعملياتها في الساحل والغرب الأفريقي، خصوصاً وأن البلدين توجد فيهما قوات لمجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية، ومن هنا جاءت زيارة نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكروف التي بدأت ببنغازي وانتهت في باماكو مرورا بواغادوغو.
وقال ألبان في مقابلة مع “بوابة الوسط” إن انطلاق 4 طائرات شحن عسكرية روسية من بنغازي إلى غاو (مالي) يدخل في هذا الإطار، فزيارة يفكروف الأخيرة انتهت في باماكو، حيث التقى وفداً من النيجر برئاسة وزير الدفاع ساليفو مودي، وكان الاجتماع الأول من نوعه بين مسؤولين روس وآخرين من النيجر حول طاولة محادثات مباشرة، انبثق عنها لاحقاً اتفاق مشترك، مرجحاً أن طائرات الشحن العسكرية موجهة إلى النيجر، عبر مالي الحليف الروسي الرئيسي، التي تتولى مهمة سحب نيامي وواغادوغو من الفلك الفرنسي إلى الحضن الروسي.
ويعتقد الخبير الموريتاني، أن هذا الربط الروسي المباشر الآن بين ليبيا ومالي، لا يستبعد أن يليه لاحقا ربط بين ليبيا والنيجر، وبينها وبوركينا فاسو، إذ ستواصل روسيا مغازلة تشاد عبر نقطة الارتكاز في ليبيا، وإذا لم تبد تشاد أي تجاوب، فإن ورقة «فاغنر» لدعم مجموعة «فاكت» العسكرية المناهضة لحكم محمد ديبي تبقى قائمة وكفيلة بأن تبلغ الأخير رسالة الإطاحة به، والإتيان بقائد جديد يرغب في طرد فرنسا، خصوصاً أن تشاد تعتبر الآن بيئة مواتية لذلك، لافتاً إلى الانتقادات الواسعة لسياسة رئيس المرحلة الانتقالية لا سيما بعد حادث مقتل مواطن تشادي على يد جندي فرنسي رفع الأصوات الداخلية المطالبة برحيل القوات الفرنسية من البلاد.
زيارة يفكروف إلى ليبيا
وتحدثت وزارة الدفاع الروسية عن زيارة يفكروف بنغازي في 22 أغسطس الماضي، رفقة وفد روسي رفيع، قائلة إنها زيارة رسمية تعد أولى ثمار المحادثات «الروسية–الليبية» في إطار مؤتمر موسكو الدولي الحادي عشر للأمن والمنتدى العسكري التقني، الذي انعقد خلال العام الجاري في بطرسبورغ
لكن الزيارة جاءت في ظروف استثنائية تعيشها المنطقة، حيث يحتدم الصراع في الجارة الجنوبية تشاد، وتعيش النيجر الجارة الشمالية أجواء انقلاب 26 يوليو الماضي الذي أطاح بالرئيس محمد بزوم، كما أنها جاءت بعد يوم واحد من ظهور مقطع فيديو لزعيم مجموعة «فاغنر» يفغيني بريغوجين، الذي توفي في حادث تحطم طائرته في روسيا، بدا أنه جرى تصويره في منطقة يعتقد أنها أفريقية، وتحديداً دولة مالي حسب بعض المصادر.
زيارة حفتر إلى روسيا.. ماذا تعني؟
وبعدما أنهى المسؤول الروسي زيارته والتي شملت عدة دول أفريقية بعد ليبيا، زار قائد القيادة العامة المشير خليفة حفتر نهاية شهر سبتمبر الماضي روسيا مما يعني حسب الخبير سلطان ألبان أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الكرملين ومحور الشرق الليبي الخاضع لسيطرة حفتر، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، وقد استعان بمقاتلي «فاغنر» في محاولته السيطرة على طرابلس في الفترة ما بين أبريل العام 2019 ويونيو العام 2020.
وأكد الخبير الموريتاني أن علاقة الطرفين أصبحت مكشوفة بحكم طبيعة السياق الإقليمي والدولي، فليبيا لها حدود استراتيجية مع تشاد والنيجر، الأولى تشكل نقطة تركيز فرنسي الآن بعد بدء انسحاب القوات الفرنسية من نيامى، والثانية باتت خارج فلك فرنسا، وبالتالي فإن البلدين يهمان روسيا كثيراً، وليبيا تشكل مركزاً استراتيجياً مهماً لموسكو تنطلق منها عبر حزام الساحل الذي بات ساحة صراع قطبي.
ويلفت ألبان إلى سلسلة الانقلابات التي اجتاحت دول الساحل الأفريقي الفقيرة خلال الفترة بين العامين 2020 و2023 وأدت إلى تنامي الوجود العسكري الروسي، ما أجبر واشنطن على الخروج من مخدعها لتجري سلسلة زيارات لمسؤولين كبار في الخارجية الأميركية إلى النيجر التي تريد واشنطن منها أن تكون حليفاً رئيسياً لها في المنطقة بفضل قنوات الاتصال الجيدة مع شخصيات كبيرة في المجلس العسكري الحاكم، مستفيدة من الفجوة العميقة التي خلّفتها فرنسا التي يتراجع نفوذها في المنطقة.

